قطار الحب
“قطار الحب “
“بلسانهم “
إنتهت المفاوضات بينهما على أن يراها يوم غد ، كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا ، وأخيرا أقنعها بأن تراه بعد تردد كبير منها ، كل شيئ عندها بقدر ، كانت تقول له دوما فلنترك الأمر للصدفة ، القدر يلعب دوره ، لا تريد أن تعده بشيئ ، هي رزينة بحق ، لكنه ليس رزينا كفاية ، يبحث عن جواب منها طيلة أربع سنوات ، كان دائما يردد نفس السؤال ، هل تحبينني؟ وكانت تجيبه نفس الأجوبة ، أنا لا أعرف ، لأنني لا أعرف الحب ، ولا أدرك كنهه ، كل ما أعرفه الآن هو الدراسة ، ولا أفكر في شيئ آخر ، أنا مازلت صغيرة .
كانت هذه هي أجوبتها التي تتكرر على مسامعه كلما سألها عن حبها له ، وكان في حالات عديدة يقتنع بأجوبتها ، سمح لنفسه أن يحافظ على أمله الضئيل في أن تحبه ، كل أفعالها كانت توحي بذلك ، محادثاتها أيضا ، لكنه يريد أن تنطق بها ، يجب أن تعبر له بكل مشاعرها ، إنها ليست حجر ، إنها فتاة ويحق لها أن تحب ، لقد غير فيها أشياء عديدة ، كان له دور في أن تصبح فتاة أقوى ، كان الشاب الأول في حياتها ، دخل فجأة دون سابق إنذار ، كان حينها يدرس في البكالوريا فيما كانت هي ماتزال في عامها الأول داخل الثانوية، سمعته كانت طيبة ، فتىً يدرس جيدا ،لا يحب المشاجرات ، كان منخرطا داخل المؤسسة ، كل الأساتذة يتحدثون عنه بحب ، على أنه قدوة يحتدى به داخل المؤسسة ، يسعى جاهدا كي يساعد كل من حوله ، فهو معروف بحبه ووده لكل من في الثانوية ، لا يمر بحارس الباب إلا وابتسم في وجهه وألقى عليه التحية ، لكن كل هذا لم يجعلها تغرم به ، كل ما أعجبها فيه ، أنه كان يحادثها في الفايسبوك ويسأل عنها يوميا ، وهذا كاٍف بالنسبة لها .
اليوم وبعد مرور ثلاث سنوات على آخر مرة رآها فيها، سيراها على أنه متأكد تمام التأكد أن يضع حدًا لهذه العلاقة التي كانت تمنعه من ربط علاقة أخرى ، كان مايزال متمسكا بذلك الأمل الضئيل ، مازال يعيش معه ، لا يفارقه أبدا ، وصلت العلاقة بينهما في أحيان كثيرة لا يتحدثان ، ومرة لم يسأل فيها لكبريائه تسعة أشهر ، لكنها كانت دوما في مخيلته ، وكان في قلبها طيلة هذه الفترة ، ليست متأكدة ، هل ذاك كان حبا أم لا ؟ .
أخبرها في الواتساب أنه سيعانقها عندما يراها ، فهو لا يتصور نفسه يفعل غير ذلك ، حاولت أن تشرح له أن المكان الذي سيتقابلان فيه ، فيه حارس وعليه أن يحترمها ، بل يحترم دينه قبل ذلك ، لم يأبه لما قالت ووعدها أن يعانقها بمجرد أن يراها ، برّر لها ذلك بأنه قد لا يراها أبدا ، وأنه لم يرها مدة ثلاث سنوات ، طلب منها أن توافق على الخروج معه لتشرب شيئا ويعيدها إلى المكان الذي تدرس فيه ، لكنها رفضت رفضا تاما ، تماما كما رفضت أن يعانقها ، كان يتوعدها بذلك ، كانت ترغب بشدة في رؤيته ، وافقت على رؤيته لشيئ ما هي تجهله ، هي تحبه ولا تحبه ، لقد كرهت اليوم الذي سمحت لنفسها بفعل ذلك ، لم يجلب لها هذا الذي لا تعرف ماهو إلا التأنيب والتردد ، هي لم تسمح لنفسها يوما بذلك ، هو عرف كيف يفتح قلبها بمفاتيحه الخاصة ، ومع ذلك لا تعرف هل هو حب أم ليس حبا ، وهو أيضا يجهل حبها له من عدمه ، فَعَلت أشياء عديدة في مرحلة الثانوية تجعله متأكد من حبها له ، لكنه لا يعلم هل هي نفسها تلك الفتاة التي ضحّت بأشياء من أجله ، وغيرت من تفكيرها لترضيه ، لا يظنها ماتزال هي نفسها .
وصل إلى المدينة التي تدرس فيها ، استقل سيارة أجرة للوصول إلى المكان المحدد ، أخبرها أنه في طريقه إليها ، أخبرته أن يلتزم بما قالته له ، لكنه لم يأبه ، ظل متشبثا بأنه سيعانقها عندما تقع عينه عليها ، دعت معه أن يصل بخير وصحة .
وصل إلى المكان المحدد ، شكر صاحب سيارة الأجرة وقد أخبره هذا الأخير أن هناك بابا آخر يمكنه الدخول منه إذا وجد الأول مقفلا ، كان الباب زجاجيا ، كان موقعه يسمح له بأن يرى فتاة تتحدث مع رجل يكبرها سنا ، بدت ابنته ، كان يتحدث إليها بابتسامة ، يحمل شيئا في يده ، تردد في البداية أن يدخل إلى داخل المكان ، كان المكان مدرسة تشبه ” الداخلية ” ، تذكر أن هناك بابا آخر ، قطع مسافة ليست بالقصيرة ليصل إلى الباب الآخر ، ظهر له شابان يجريان سألهما عن المكان فدلاه على الباب الذي نزل فيه قبل قليل ، عاد مرة أخرى إلى المكان عينه ، لكن هذه المرة وجد الرجل لوحده ، أخبره أنه يريد رؤية فتاة ما ، حذره أنه قد يتسبب في مشكلة لها ، أخبره أنه صديق لها ، وأضاف كذبة بيضاء ليدعم موقفه ، بأن والداها يعرفانه ، تردد الرجل قليلا قبل أن ينادي على ابنته ، نظرت إليه الفتاة التي بدت رشيقة وهي تضع قبلة على خد أبيها بحب شديد ، قائلة تريد (ع) لم يخبرها بالاسم فكيف عرفت إذن هذه الفتاة ، ؟ خرج أب الفتاة من الباب مودعا ابنته ، فيما أخبرته أن ينتظر قليلا كي تناديها له ، كان الأمر شبيها بسجن أنيق ، مكان للزيارة فيه كرسي وحيد ، حائط مليئ بمفاتيح كهربائية لشحن الهواتف ، كان يذهب يمنة ويسرة ، وهو ينتظرها ، فجأة شاهد الكامرات الموضوعة في المكان ، فكر مليا أن مسألة عناقها باتت غير ممكنة ، لا يريد أن يكون سببا في طردها من المدرسة ، لا يريد أن يتسبب في مشكلة كما قال الرجل .
إنها آتية في استحياء لكنها ليست وحدها ، كانت ابنة الرجل نفسها ترافقها ، مع أنه حذرها أن ترافقها صديقتها ، وعبر لها أن الأمر سيقلقه إذا رافقتها أحد صديقاتها ، لكنها كانت خائفة من أن يفعل ما وعدها به ، خشيت أن يعانقها ، ماهي إلاّ هنيهات حتى وقفت أمامه ، سلم عليها باليد وقد أدرك المسافة التي تبعدهم عن بعض حتى وهي بالقرب منه ، سلم أيضا على الفتاة التي ساعدته في المناداة عليها ، عرفته بها ، قائلة : هذه عائشة
لم تعرفها به ، تأكد أيضا أنها صديقتها المقربة ، سألهم عن الدراسة والصحة وغيرها ، ثم طلب من عائشة أن تتركهما على انفراد ، ترددت عائشة ، ولم ترجع إلا خطوات تسمح لها بأن تنصت إلى كل شيئ يدور بينهما ، حاول أن يقنعها بأنه سيلتزم ، لكن عائشة لم تحرك ساكنا ظلت في مكانها ، كانت (ع) قد حثت عائشة ألا تتركها وحيدة معه ، وإلا فإنه قد يفعل ما وعدها به .
قال لها ؛ ما تزال ابتسامتك هي عينها ، وعيناك تبرقان كما العادة أنا سعيد لأنك قبلت رؤيتي .
-شكرا ، كيف حالك أنت
-بخير علينا أن نضع حدا للأمر يا (ع) أنت مقبلة على الذهاب إلى فرنسا ، وأنا سأذهب بعد عام ونصف إلى الخليج سأسألك نفس السؤال : هل تحبينني ؟ .
ترددت وهي تنظر إلى عينيه مستغربة وخائفة من الرد ، كانا ينظران معا إلى عينيهما ، ثم أجابت ” معرفتش ” كانت هذه الكلمة هي التي تخلصها من ضغط كبير يمارسه عليها، هذه الكلمة هي المساحة بين الإعتراف بحبها له ، وعدم الإعتراف بالأمر .
نادى عائشة وقال لها أنها يمكنها التقدم فهي ليست غريبة ويعلم جازما أنها تعلم كل ما يدور بينهما ، تقدمت عائشة وهي تبتسم ، كانت ابتسامتها تلك كافية ليعلم أنها فتاة ستلعب دورا لصالحه ، ويستغلها استغلالا إيجابيا ليعرف جوابها ، كانت عائشة حركية للغاية ، وكانت تضحك كثيرا كلما تحدثوا عن شيئ شخصي بينه وبين (ع) ، كان دائما ما يعيد نفس السؤال لكنه يلقى نفس الجواب ” معرفتش ” لكن هذه المرة وبذكائه ، طرح السؤال على صديقتها ، قائلا : هل تريدين لهذه العلاقة أن تكتمل ؟
أومئت عائشة برأسها مبتسمة ابتسامة تلتها ضحكة وغمزة ل (ع) ، كانت (ع) تتوعد عائشة بأن تنتقم منها ، هنا بالضبط عرف الجواب ، إلا أنه أراد أن يسمعه منها ، أراد أن تنطق به (ع) .
حاول ألا يعيد نفس السؤال ودخل في الحديث عن الدراسة والإمتحانات ، وتحدث عن شخصية عائشة المرحة ، والعفوية ، مارس على عائشة قوة عينيه ليفهم منها مالم تستطع (ع) أن تتفوه به ، أدرك تمام الإدراك أن عائشة لا يخفى عليها شيئ من علاقة (ع) به ، فسره ذلك ، ما جعله يواصل مدح عائشة أمامها ، مع ذلك أصر أن يُنطقها مالا تقدر عليه ، فكرة زكتها عائشة بقولها : مهما حاولتَ إقناعها لن تستطيع أن تبوح لك بالأمر ، امنحها فرصة أكبر أرجوك ، إلى أن تنتهي الإمتحانات ، أرجوك .
لم يعث الأمر اهتماما ، وتوعد بأن ينسى الأمر إطلاقا وعليه أن يعيش حياته كما يريد هو، وأن ينسى كل شيئ ، فحياته ستبدء بأول خطوة خارج هذا المكان ، سيمنح (ص) فرصة ويمنح( ل) فرصة أيضا ، لكنها هي التي تقف أمام فرص هاتين ، وهو أيضا يقف متشبثا بِبصيص الأمل ذاك الذي دعمته إيماءات عائشة واحمرار وجه (ع) عندما أخبرها بأنه سينهي الأمر كليا ، هنا ضغط عليها أكثر وسألها سؤالا آخر ليس مماثلا لذي قبل قال لها : هل أنا مجرد صديق ، ؟ أجابته دون تفكير نعم ، شعر بغضب كان كافيا ليسلم عليها ببرودة مبتسما في وجه عائشة التي ابتسمت بدورها في وجهه ، مانحة إياه الأمل ، لم يأبه وخرج غاضبا وغير غاضب ، خرج من الباب وهو يعلم يقينا أن عائشة ستوبخ (ع) لأنها أجابت دون تفكير ، استقل سيارة أجرة متوجها إلى محطة القطار ، كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ، أخذ تذكرته وانتظر إلى حين مجيئ القطار فثلث ساعة تقريبا ويصل إلى المحطة ، تذكر أن عليه أن يشحن هاتفه، توسل إلى رجل التذاكر أن يشحن هاتفه فلبى طلبه ، كان ينتظر وصول القطار كي يبدء حياة جديدة ، كي ينسى كل شيئ، كي يعطي حياته كلها لحلمه وطموحه هذه المرة ، فذاك البصيص من الأمل انتهى بأول خطوة خارج باب المكان الذي التقاها فيه رفقة صديقتها ، وصل القطار ، أخذ هاتفه وصعد رفقة الركاب إلى داخل القطار ، بحث عن مكان يجلس فيه وحده ، وجد مكانا وضع محفظته وقنينة ماء في الكرسي الذي أمامه ، استرجع كل مامر هذا اليوم ، وهو يحاول إقناع نفسه بأن كل شيئ انتهى ، فجأة وصلته رسالة من ( ل) تخبره فيها أنها اشتاقت له كثيرا ، وتنتظر اللحظة التي يعود فيها من السفر ، لم يجبها ، كان عقله مع قلبه ، وضع الهاتف على الطاولة الصغيرة واسترخى ، مرة ثانية وصلته رسالة في الواتساب ، لم يرد أن يطلع عليها، لانه ظن أنها من (ل) ، تردد قبل أن يحمل الهاتف ، فتح الرسالة ، كانت من (ع) وفيها : (س) أنا أحترمك كثيرا ، أنا أحبك .
فتح لوحة مفاتيح الهاتف وكتب ، لقد تأخرت،كنت أربد سماعها وأنا بجانبك .
كانت هذه الكلمات كافية ليتحرك معها القطار معلنا عن بداية رحلته ومعها تبدأ حياته الجديدة ….
- Published in Uncategorized

